فخر الدين الرازي
25
شرح عيون الحكمة
ينضم اليه شئ آخر ، أو يقع في داخله شئ من الفرج ، وضده التكاثف . وهذا المذهب لا يصح القول به ، الا إذا اعتقدنا أن الحجمية قائمة بمحل لا حجم له في ذاته . فانا إذا اعتقدنا ذلك ، أمكننا أن نعتقد أنه تزول عن ذلك المحل تلك الحجمية العظيمة ، ويحدث فيها حجمية صغيرة . وبالعكس . ثم زعموا : أن اثبات التخلخل والتكاثف انما ينتفع به في دفع دليل مثبتى الخلاء . فإنهم احتجوا على القول بالخلاء . بأن قالوا : المتحرك إذا تحرك إلى مكان ، فالمكان المتحرك اليه اما أن يقال : انه كان خاليا قبل انتقال هذا المتحرك اليه ، أو ما كان خاليا - وهو المطلوب - وأن قلنا : انه ما كان خاليا ، فعند انتقال هذا المتحرك اليه ، اما أن يقال : انه بقي ذلك الجسم هناك أو انتقل عنه . فان بقي هناك ، فحال انتقال هذا المتحرك اليه ، قد اجتمع حجمان في حيز واحد . وهو محال . وان انتقل ذلك الجسم ، فاما أن ينتقل إلى الحيز الذي عنه انتقل هذا المتحرك ، أو إلى حيز آخر . فإن كان الأول لزم الدور ، لأن المتحرك الأول لا يمكنه أن يتحرك ، الا إذا صار الحيز المنتقل اليه فارغا . ولا يصير فارغا الا إذا انتقل الجسم الذي كان فيه إلى حيز هذا المتحرك . وانما يمكنه أن ينتقل اليه لو تحرك هذا المتحرك عنه . فثبت : أنه يلزم منه الدور . والدور باطل . وان كان الثاني - وهو أن ذلك الجسم ينتقل إلى حيز آخر - يكون الكلام فيه كما في الأول ، ويلزم أن يقال : انه إذا تحركت « البتة » أن تتدافع جملة السماوات والأرضين . وذلك محال . وعند هذا قال منكرو الخلاء : مذهبنا : أن الجسم مركب من الهيولى والحجمية ، وأنه لا يمنع أن تزول عن المادة حجمية عظيمة ، ويحدث فيها حجمية صغيرة ، وبالضد . وإذا كان كذلك لم يبعد أن يقال : أن المتحرك إذا انتقل من جهة إلى جهة ، فإنه تزداد الحجمية في الجانب المنتقل عنه وتصعد الحجمية في الجانب المنتقل اليه ، وحينئذ يمكنه الحركة من غير وقوع الخلاء ، ومن غير لزوم سائر المحالات . فثبت : أن القول بكون الجسم مركبا من الهيولى والصورة ، ظهرت فائدته في هذه المسألة . * * *